iqraaPostsStyle6/recent/3/{"cat": false}

ألْفَاشِرُ تَحْتَ رَمَادِ ٱلْأَلَمِ

الكاتب: يوسف طه السعيدتاريخ النشر: آخر تحديث: وقت القراءة:
للقراءة
عدد الكلمات:
كلمة
عدد التعليقات: 0 تعليق

 

ألْفَاشِرُ تَحْتَ رَمَادِ ٱلْأَلَمِ

بقلم

يُوسُفُ طَهَ السَّعِيدُ

المدرس في كُلِّيَّةُ عُلُومِ الوَحْيَيْنِ لِلدِّرَاسَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ

1447هـ / 2025م

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ العدلِ الذي حرَّم الظلمَ على نفسه وجعله بين عباده محرَّمًا، أحمده سبحانه على ما وسِع من رحمتِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحكم الحاكمين، وأعدلُ العادلين. وأشهد أن سيّدنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، المبعوثُ رحمةً للعالمين، صلّى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإنّ الظلمَ داءٌ إذا استشرى أهلك القلوب قبل الديار، وأظلمت به النفوس قبل الطرقات. وما من يدٍ تمتدّ إلى الشرّ إلا ووراءها قلبٌ قسا حتى صار كالحجر، ولا من ظالمٍ ينكأ أوجاع الناس إلا وقد توعّدته دعواتُ المظلومين التي ترفع إلى السماء بلا حجاب، فتُسجَّل في صحائف الليل، وتُردَّدها زفراتُ الأيتام، ودموعُ الثكالى، وحسراتُ أمهاتٍ لم يذقن طعم النوم مذ غاب أبناؤهنّ بين قتيلٍ أو مخطوفٍ أو مُستضعَف.

وإنّ الفاشرَ اليوم تقف شاهدةً على أبشع صور الطغيان، فقد عاث الظالمون فيها قتلًا وتخريبًا وانتهاكًا، لا يراعون حقًّا لمسنّ، ولا رحمةً بطفل، ولا حرمةً لامرأةٍ تُنتهك كرامتها في ساعةِ ضعفٍ لا يعلم قسوتها إلا الله. وتبقى أنّةُ المظلوم في الأسحار سيفًا مسنونًا على رقاب الظالمين، ونكاةٌ في قلوب أمهاتهم، إذ ما من أمّ ظالمٍ يسلم قلبها من وجع، حين تسمع أنّ ولدها صار من جند الظلم يُنقِص من أعمار الناس، فتنقص أعمارُهم بذنبه.

وهكذا يقف هذا المقال عند جرح الفاشر، يصفه لا ليزيده ألمًا، ولكن ليشهد للحق، وينطق باسم المظلوم، ويذكّر بأنّ الله لا يرضى الظلم، وأنّ دعوة المكلوم إذا خرجت من صدرٍ محزونٍ أصابت الظالم ولو بعد حين.

في ربوع شمال دارفور، حيث كانت الفاشرُ عروس الصحراء وملتقى تجارةٍ وحضارةٍ وذاكرةٍ ضاربة في عمق التاريخ، ارتفع اليوم دخانُ المأساة حتى غطّى ملامح المدينة، وأغلق على أهلها أبواب الأمان. ما إن تخطو قدماك في أطرافها حتى تلمس وجعًا متكدّسًا، ينساب من بين حجارة الأزقّة، ويتردّد في حفيف الريح، وكأنّ المكان كلَّه ينوح على ما جرى.

لقد تعرّضت الفاشر لجرحٍ لا يشبه سواه؛ جرحٍ ينزف من أطرافه النارُ والبارود، وتغذّيه عصاباتُ الخراب التي جاءت لتنسف ما تبقى من حياة. دخلت المليشياتُ إلى المدينة دخول العاصفة، تقتلع الرجال كما تُقتلع الشجرة من جذورها، وتُزهق الأرواح من غير ذنبٍ ولا محاكمة. رجالٌ قُيّدوا من أيديهم، ثم غُيّبوا في ظلام المجهول. وآخرون خُيّروا بين الفدية وبين الموت، وكأنّ الإنسان سلعةٌ تُساوَم عليها الأنفاس.

أما النساء… فحكايتهنّ حكايةُ الألم كلّه.

يُسحبن من بيوتهنّ وفي الطرقات في جنح الليل وضوء النهار، يُجرّدن من أمانهنّ، وتُطوى صفحاتُ طفولتهنّ وحياءُهنّ تحت وقع أقدام لا تعرف الرحمة. تُغتصَب النساء والفتيات لا لشيءٍ سوى أنّ أجسادهنّ باتت ساحةً لإذلال شعب بأكمله. تُنتهك الحرمات في بيوتٍ كانت عامرةً بالقرآن، وتُلوَّث شرفُ أسرٍ لم تنحنِ لغير الله يومًا. وما أثقل أن ترى بكاءً مكتومًا في عيني أمٍّ لا تستطيع أن تحكي كيف خُطف منها آخر ما كانت تحميه!

وفي الطرقات، ترى الشيوخ يسندون بعضهم، يلوّحون للسماء بأكفٍّ مرتجفة يسألون الله سترًا ونصراً. وترى الأطفال يتحسّسون طريقهم بين رمال الطرقات، يبحثون عن أمٍّ لم تعد، أو قطعة رغيفٍ من بقايا الدنيا. تسمع صرخة رضيعٍ يبحث عن صدرٍ فقده، ونداءَ شابٍ ينادي أخاه فلا يسمع إلا صدى الأرض الجرداء.

وإنّ من أشدّ ما يوجع القلب أن أهل الفاشر لم يُبايعوا الظلم، ولم يمدّوا أيديهم إلا طلبًا للسلام، ومع ذلك تكالبت عليهم قوى الأرض. جاءت جيوش المرتزقة من كل حدب وصوب، جُلِبوا بالمال والسلاح ليُمعنوا في قتل السودانيّين، حتى صار القاتل لا يعرف لغة البلاد، ولا يعرف أسماء شوارعها، لكنّه يعرف كيف يضغط على الزناد. وقد سُمّيت هذه العصابات تضليلًا “قوّات الدعم السريع”، وما هي إلا مجموعاتٌ خارجةٌ عن كل عهدٍ وإنسانية، باع بعضها نفسه لمن يدفع، وتحالف بعضها مع من يريد تمزيق السودان.

والمؤلم أكثر من الجريمة نفسها… هو هذا الصمت العالمي.

صمتٌ تتقاطع خيوطه عند أبواب الحكومات الكبرى والمنظمات الدولية والإنسانية، وكأنّ دم الإنسان السودانيّ ليس له وزنٌ في ميزانهم. ترى البيانات تُصاغ بعباراتٍ باردة، وتُسجَّل المآسي في تقارير تُدفَن في الأدراج، بينما يُقتل في كل ساعة عشرات، وتُغتصب فيها فتياتٌ لا يبلغن سنّ الزهر.

يا للعجب!

كيف امتلأت الأرض صراخًا لغزة، ثم خفُت الصوتُ وقبل أن تندمل جراحها، فإذا بجراح السودان تتفجّر من جديد؟

وكأنّ الأمة العربية والإسلامية مقدّرٌ لها أن تنزف في أطرافها جميعًا، من المحيط إلى الخليج، من القدس إلى الخرطوم. وأيّ قلبٍ يبقى سليمًا بعد غزة والفاشر؟ وهل بقي متّسعٌ للبكاء؟ أم أنّ العين قد جفّت من فرط المآسي؟

إنّ هذا المقال ليس بيانًا سياسيًا، ولا صرخةً عابرة؛ بل هو نداءٌ لكل إنسانٍ حر، أن يقف مع السودان بضميرٍ صادق، وأن يشعر بوجعه كما لو أنّ الوجع مسّ أهله. وإنّا نوجّه نداءنا أولًا للعرب والمسلمين: أن يكونوا على قدر الأخوّة، وأن لا يتركوا السودان نهبًا للمليشيات والمرتزقة. فهذه البلاد كانت دائمًا سندًا للأمة، أرضًا للعلم والكرم، وجسرًا يربط إفريقيا بالعالم العربي والإسلامي. وإن تُركت اليوم، ستُنهش غدًا أطرافٌ أخرى من جسد الأمة.

ليست الفاشر مدينةً تُهزَم، وإن انكسرت الآن. وليست دارفور أرضًا تنطفئ، وإن أُحرقت بعض ملامحها. فالأرضُ التي تحفظ دماء شهدائها، تحفظ معها وعدًا بالنهوض. وإن كتب المجرمون على جدرانها العنف، فسيكتب أبناؤها غدًا على تلك الجدران: "هنا انتصر الحق، لأنّ الظلم لا يدوم".

وإلى أهل الفاشر نقول:

جراحكم جراحٌ في قلوبنا، وصمودكم قصيدةٌ تُتلى على الأجيال.

وإلى من ينصرون قضيتكم: امضوا وعين الله ترعاكم، فكل خطوة منكم تُضيء طريقًا مظلمًا.

وما زلنا ننتظر من الأمة كلمةً صادقة، وفعلًا يليق بحجم الفاجعة، فإن لم نقف اليوم مع الفاشر، فبأيّ حقّ نقف مع أنفسنا غدًا؟

رحم الله الشهداء، وداوى الجراح، وحفظ السودان وأهله من كل سوء.

وإلى من ظلموا أهلنا: إن الله يمهل ولا يهمل، والدم إذا سال لا يضيع، وغداً لناظره قريب.

 

وكتبه

راجي عفو ربه الحميد يوسف طه السعيد

غفر الله له ولوالديه

02/11/2025 م – 11 جمادى الأولى/1447هـ.

https://www.yusftaha.com/ الموقع الرسمي

https://www.facebook.com/yusuftaha1978/ صفحة مشكاة العلم والتدبر

https://www.facebook.com/profile.php?id=100022528643894&locale=ar_AR صفحة الفيس الرسمية

https://www.tiktok.com/@t.yusuf88?is_from_webapp=1&sender_device=pc حساب التكاك الرسمي

https://t.me/hufath قناة التلغرام

 

التصنيفات

شارك المقال لتنفع به غيرك

قد تُعجبك هذه المشاركات

إرسال تعليق

ليست هناك تعليقات

224647537720518772

العلامات المرجعية

قائمة العلامات المرجعية فارغة ... قم بإضافة مقالاتك الآن

    البحث